اللواء دكتور أحمد زغلول مهران يكتب: المحطة الرابعة والعشرون: حين يبدأ التاريخ من اسم



اللواء دكتور أحمد زغلول مهران
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

"يا بني، لم يكن اسمي مجرد حروفٍ في شهادة ميلاد، بل كان حكاية وطن".. بهذه الكلمات كان يستهل أبي – رحمه الله – حديثه، مسترجعاً زمناً كانت فيه الأسماء تُختار لتكون موقفاً نضالياً لا مجرد تعريفٍ شخصي.

الاسم.. نبوءة وانتماء

وُلد والدي في ثلاثينيات القرن الماضي، واختار له جدي اسم "سعد زغلول أحمد مهران مكي"، تيمناً بزعيم الأمة الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. لم يكن الاختيار عابراً، بل كان وساماً وطنياً يعكس الانتماء لروح ثورة 1919.

وشاءت الأقدار أن يقع خطأ في شهادة الابتدائية – التي كان يوقعها الملك فاروق آنذاك – فحُرر الاسم "زغلول" دون "سعد". ولأن التصحيح كان يتطلب إجراءات معقدة عبر "وزارة الحقانية" (العدل حالياً)، استقر الاسم رسمياً على "زغلول"، لكن أبي كان يبتسم دائماً قائلاً: "لم يفارقني سعد، حتى وإن غاب من الورق، فقد بقي في القلب".

أولاً: الوفد.. ميلاد فكرة من رحم الثورة

لم يكن حزب الوفد وليد قرار إداري، بل كان الانفجار السياسي لثورة 1919. تحول من "وفد" يطالب بالاستقلال إلى حركة شعبية عارمة، ثم إلى حزب رسمي مع دستور 1923. لقد مثل الوفد معادلة تاريخية فريدة ارتكزت على ثلاثة محاور:

الاستقلال الوطني التام.

الحياة الدستورية السليمة.

سيادة القانون.

ثانياً: رموز حفرت في وجدان الأمة

عبر محطات حياتي، كنت أرى الوفد من خلال رجاله الذين ذكرهم أبي بإجلال:

سعد زغلول: الزعيم الذي جعل "بيت الأمة" قبلة للمصريين، ورسّخ فكرة أن "الأمة مصدر السلطات".

مصطفى باشا النحاس: خليفة الزعيم الذي حافظ على وحدة الحزب أمام مناورات القصر وضغوط الاحتلال، وقاد مرحلة معاهدة 1936 وبناء الجيش.

مكرم عبيد باشا: ضمير الوطنية وصاحب المقولة الخالدة: "مصر وطن يعيش فينا، وليس وطناً نعيش فيه"، وهو الذي جسّد مع سعد والنحاس شعار "الدين لله والوطن للجميع".

حمد الباسل باشا: صوت القبائل وعمود الوفد في الفيوم وصحراء مصر، الذي أثبت أن الوفد حزب القرى والنجوع كما هو حزب العاصمة.

ثالثاً: عائلة مكي.. الوفد كإرث عائلي

لم يكن انتماء عائلتنا للوفد اختياراً فردياً، بل كان توجهاً عاماً تربينا عليه. كانت مبادئ الوفد تُناقش في مجالسنا كما تُناقش شؤون الأسرة. تعلمت من والدي أن الوفد مدرسة في "أخلاق السياسة" قبل أن يكون تنظيماً انتخابياً، وكان يقول لي دائماً: "قد يُمحى الاسم من الورق، ولكن الفكرة لا تُمحى من الدم".

رابعاً: بين الواجب العسكري والعشق الوطني

منذ نعومة أظافري، تمنيت أن أكون عضواً رسمياً في هذا الحزب العريق، لكن طبيعة عملي كضابط بالقوات المسلحة المصرية حالت دون الانضمام التنظيمي. ومع ذلك، ظل الوفد في وجداني حاضراً. لقد خدمت وطني من موقعي العسكري بإخلاص، مؤمناً أن الوطنية الحقيقية هي الالتزام بالقيم، وأن "الوفدية" في جوهرها هي حب مصر والعمل لأجلها من أي موقع وبأي زي.

رؤية تحليلية وتوصيات للمستقبل

بصفتي باحثاً ومتابعاً، أرى أن مسيرة الوفد مرت بأربع مراحل (التأسيس، التحديات، التوقف القسري، ثم الإحياء). وليستمر هذا الإرث، أضع هذه التوصيات الاستراتيجية:

تجديد الخطاب: صياغة رؤية تلامس تطلعات الشباب بلغتهم وأدواتهم.

المأسسة العلمية: تعزيز البحث السياسي المبني على البيانات والدراسات الميدانية.

الامتداد الشعبي: استعادة الدور المجتمعي الفاعل في الأقاليم والقرى.

الكوادر القيادية: إعداد جيل جديد قادر على ممارسة العمل البرلماني باحترافية.

الختام

رحم الله والدي الذي علمني أن المعنى يبقى وإن تغيرت الأسماء، ورحم الله رجال الوفد الذين نُفوا وسُجنوا ولم يتخلوا عن وطنٍ يعيش فيهم. سيبقى الوفد – ما بقيت مصر – صوتاً للحرية، وروايةً للدستور، وضميراً حياً للأمة.

Post a Comment

أحدث أقدم