لواء أحمد زغلول يكتب.. اعتراف إسرائيلي بـ "أرض الصومال" ما السر؟



في تحول دراماتيكي للمشهد السياسي في القرن الإفريقي، أعلنت إسرائيل في السادس والعشرين من ديسمبر 2025 اعترافها الرسمي بإقليم "أرض الصومال" (Somaliland) كدولة مستقلة. هذه الخطوة، التي تعد الأولى من نوعها منذ إعلان الإقليم استقلاله الأحادي عام 1991، لم تكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل هي مناورة استراتيجية تندرج تحت عباءة "اتفاقيات إبراهام"، وتهدف إلى إعادة رسم خارطة النفوذ عند مدخل البحر الأحمر.


أولاً: السياق الجيوسياسي.. الصراع على "بوابة العالم"

لا يمكن فصل هذا الاعتراف عن الأهمية الاستراتيجية الفائقة لمنطقة القرن الإفريقي، والتي تمثل:


ركيزة الأمن القومي المصري: كونه المتحكم في الممرات الملاحية المؤدية لقناة السويس.


نقطة ارتكاز عالمية: حيث يتقاطع نفوذ القوى الكبرى عند مضيق باب المندب وخليج عدن.



موقع "أرض الصومال": التي تمنح من يسيطر عليها أو يتحالف معها قدرة فائقة على مراقبة حركة التجارة الدولية ومكافحة – أو تحريك – ملفات الإرهاب والقرصنة.


ثانياً: الموقف المصري.. دفاعاً عن الثوابت السيادية

جاء الرد المصري حاسماً وبرفض تام لهذه الخطوة، معتبراً إياها مساساً مباشراً بوحدة الصومال واستقراره. وقد تحركت الدبلوماسية المصرية سريعاً بالتنسيق مع (الصومال، جيبوتي، تركيا) لبلورة موقف إقليمي موحد يرتكز على:


رفض تفتيت الدول الوطنية ونشوء كيانات موازية غير شرعية.


اعتبار الخطوة الإسرائيلية تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية للصومال.


التحذير من زعزعة استقرار منطقة شرق البحر الأحمر، مما يهدد المصالح الاستراتيجية للقاهرة.


ثالثاً: تداعيات الاعتراف على الأمن القومي المصري

تفرض هذه الخطوة تحديات معقدة على صانع القرار المصري، يمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد:


إعادة هيكلة التحالفات: قد يفتح هذا الاعتراف الباب أمام قوى إقليمية أخرى للسير في ذات الاتجاه، مما يخلق "واقعاً سياسياً جديداً" قد لا يتوافق مع الرؤية المصرية الداعمة لوحدة الأراضي الصومالية.


تهديد الملاحة البحرية: وجود نفوذ إسرائيلي مباشر (عسكري أو استخباراتي) عند مدخل خليج عدن قد يؤدي إلى عسكرة الممرات الملاحية، ويضع عراقيل جديدة أمام حرية التجارة التي تمر عبر شريان الحياة المصري "قناة السويس".


تشابك الملفات الأمنية: توقيت الخطوة في ظل استمرار الأزمات في غزة واليمن، يعزز من فرضية تحويل القرن الإفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يضاعف الأعباء الأمنية على الدولة المصرية.


رابعاً: الرؤية الاستراتيجية والتوصيات

إن مواجهة هذا التحول تتطلب سياسة مصرية تتسم بالمرونة والحزم في آن واحد، وذلك عبر المسارات التالية:


المسار الأمني والميداني: تعزيز الوجود البحري المصري في جنوب البحر الأحمر، وتطوير أنظمة المراقبة الساحلية والتكنولوجيا الأمنية البحرية لحماية المصالح القومية.


المسار الدبلوماسي: تقوية التحالف الاستراتيجي مع مقديشو وجيبوتي، والانخراط مع القوى الدولية المعنية باستقرار الملاحة للتأكيد على مبدأ "سيادة الدول".


المسار الإقليمي: تفعيل دور الاتحاد الإفريقي في احتواء النزاعات الانفصالية، ودعم استقرار الدولة الصومالية ككتلة واحدة لمواجهة التدخلات الخارجية غير المحسوبة.


ختاماً؛ إن الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" هو نقطة مفصلية تتجاوز حدود الإقليم، لتصيب قلب توازنات القوى في البحر الأحمر. وهو ما يستوجب صياغة استراتيجية مصرية شاملة قادرة على استباق المخاطر وضمان استقرار هذا المرفأ الحيوي للأمن القومي العربي والمصري.


فهل ستكون هذه الخطوة بداية لموجة جديدة من إعادة تشكيل الدول في القرن الإفريقي، أم أن الدبلوماسية الإقليمية ستنجح في احتواء آثارها؟

Post a Comment

أحدث أقدم